ابن عربي

16

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

أن يأتيك اليقين ؟ ثم تنظر هذه الكسرة من أين تأكلها ؟ ثم قالت : تقرأ القرآن ؟ قلت : نعم ، قالت : اقرأ عليّ آخر سورة الفرقان ، فقرأتها ، فشهقت وأغمي عليها ، فلما أفاقت قرأت هي الآيات ، فأخذت مني قراءتها أخذا شديدا . ثم قالت : يا إنسان ، اقرأها عليّ ثانيا ، فقرأتها ، فلحقها مثل ذلك ، غير أنها لم تفق ، فقلت : كيف أستكشف حالها ؟ ماتت أم لا ؟ فتركت البيت على حاله ومشيت أقل من نصف ميل ، فأشرفت على واد فيه أعراب ، فأقبل إليّ غلامان معهما جارية ، فقال أحد الغلامين : يا إنسان ، أتيت البيت في الفلاة ؟ قلت : نعم ، قال : وتقرأ القرآن ؟ قلت : نعم ، قال : قتل العجوز وربّ الكعبة ، فرجعت معهم حتى أتينا البيت ، فدخلت الجارية ، فكشفت عنها الحجاب فإذا هي ميتة ، فأعجبني خاطر الغلام ، فقلت للجارية : من هذان الغلامان ؟ فقالت : هذه أختهما ، منذ ثلاثين سنة ما تأنس بكلام الناس ، تأكل في كل ثلاثة أيام أكلة وشربة . ومن باب البكاء عند رؤية القبر ما حدثنا به حنبل بن أبي الحصين ، عن ابن المذهب ، عن أبي بكر بن مالك ، عن عبد اللّه بن أحمد ، عن أبيه ، عن أبي عبد الرحمن المقري ، عن عبد اللّه بن واقد ، عن محمد بن مالك ، عن البراء بن عازب ، قال : بينما نحن مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ بصر بجماعة ، فقال : « علام اجتمع هؤلاء ؟ » ، قيل : على قبر يحفرونه ، ففزع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبدر بين يدي أصحابه مسرعا حتى انتهى إلى القبر فجثا عليه ، قال : فاستقبلته بين يديه لأنظر ما يفعل ، فبكى حتى بلّ الثرى من دموعه ، ثم أقبل علينا فقال : « يا إخواني ، لمثل هذا فاغدوا » . شعر أيها المغرور في الد * نيا بعزّ تقتنيه وبأهل وبمال * وبقصر تبتنيه كم سحبناكم عليها * ذيل سلطان وتيه تحسب الأفلاك تجري * بخلود ترتجيه إذا طوانا الدهر طيّا * فاعتبر ما نحن فيه روينا من حديث الهاشمي بسنده إلى ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أيها الناس ، إن الرزق مقسوم لن يعدو امرؤ ما كتب له ، فأجملوا في الطلب . وإن العمر محدود لن يجاوز أحد ما قدر له ، فبادروا قبل نفاد الأجل . والأعمال محصاة لن يهمل منها صغيرة